Picture of the Day
immaculata_1.jpg
Verse of the Day
Donate to rebuild our Church
Amount Tooltip $20.00
$50.00
$100.00
$300.00
$500.00
$700.00
$1,000.00
$
  
Donation 2
cardslogo3
 
 
StMaryNashville.org (LIVE)

 

باسم الثالوث الأقدس

أين مسيح الخلاص؟!

بقلم الأب بطرس المقارى
(1950-1995م)

طرق بابي سائل, ففتحت له, فوجدته ملاك الموت جاء لأخذ روحى إذ قد حانت ساعتى, فاستمهلته قليلاً ريثما أكتب هذه الكلمات, واستسمحته حتى آخذ معي القلم والوريقات, فأذن لى بشرط ألا أكتب ما يدخل فى عداد الأسرار أو المحظورات أو الكلمات التى لا يُنطق بها ولا يصوغ لإنسان أن يتكلم بها، فشكرته إذ قبل شفاعة القديسين ولإعطائه هذه الفرصة.

الواقع أن ساعة الموت رهيبة رغم انتظاري وترقبي لها زمناً طويلاً, ولكن مقدار رهبتها يتناسب مع مقدار الإهمال فى الاستعداد لها .بمعنى أن من يضعها أمام عينيه ويستعد لها مجاهداً كل يوم حاملاً صليبه, مُميتاً لذاته كل حين, تكون لحظة انطلاقه لحظة فرح وسرور ومسرة لا تُحد, كما رأينا بعض القديسين يُشرق وجهه بنور, أو تُحيط به ملائكة, أو ينظر السماء مفتوحة لاستقباله.أما لمن تناسى هذه اللحظة فباغتته, فأن فزعها يكون مريعاً, واضطرابها فظيعاً.أما أنا فقد امتزج فرح الانطلاق المرتقب برهبة تصفية الحساب ودفع الديون, حيث تتنازع النفس فى هذه اللحظة مجموعتان من القوى:

دين هائل من الخطايا والزلات وأصدقاء السوء, وفضائل وأعمال صالحه وشفاعات قديسين وملائكة.أما الأولى فتجذب نحو هوة سحيقة برباط اليأس, وأما الثانية فتدفع نحو حياة أسمى وأروع بقوة الرجاء,وتظل هذه القوى تتصارع حتى يُحسم الموقف كما رأيت فيما سيأتي ذكره .


نظرت حولي فى القلاية, ثم تطلعت من النافذة, فلم أجد فى كل الدنيا ما يستحق أن آخذه معي, وتفرست فى أعماق نفسى فما وجدت أيضاً ما يقف على قدم, لا كرامه ولا أهانه, ولا مركز ولا موضع, لا مديح ولا نسب, لا مال ولا مُقتنى .ولم يُسمح لى بأخذ شئ, لا جميل ولا ردئ, ما خلا ثوباً قديماً عمره من عمري, لا تراه عين بشر لكن تراه الروح فقط, كان أبيض لكنه أتسخ ببقع كثيرة ما بين كبيره وصغيره, فلبسته كى أستر عريي وتوجهت إلى الباب مريداً الخروج, ظاناً أن هذا هو الطريق, وأنا ما بين الروح والجسد, فاستوقفني ملاك الموت وأفهمني أن خروج الروح لا يكون عن طريق مادى أرضى, لكنه انطلاق من عالم منظور إلى آخر غير منظور, من عالم محدود إلى عالم أخر غير محدود, من الضيق إلى الأتساع .وفى لحظه أحسست بروحى تضيق كأنها تخرج من عنق زجاجه دقيق للغاية, ومنه إلى أتساع لا نهائى, وخرجت الروح إلى عالم لا يحده زمان ولا مكان, حتى أنه بنظره واحده رأيت المسكونة كلها كقطرة فى مُحيط القدير, أو كحبه فى كف الخالق العظيم، وبقى الجسد مُسجى على الأرض في التراب الذى منه أتى, ورأيت أنه فى تلك اللحظة عينها التى خرجت فيها روحى من جسدى كانت هناك روح أخرى فى طريقها إلى الانطلاق فى مكان أخر من تلك النقيطه التي يسميها أهل العالم الكره الأرضية، وهذه الروح رفيقة الموت هى من تقابلت معها لحظة العبور الآتية.

دفعني الفضول إلى استطلاع وجوه وأراء وشعور معارفي وأصدقائي وأعدائي السابقين ما بين أقرباء الجسد ورفقاء الطريق وأخوتي فى الرب بخصوص انتقالي.

وجدت الأول حزيناً باكياً وظهرت عليه جلياً أعراض قصر نظر روحى. أما هذا المسكين فكان يتأوه من لوعة الفراق، فابتسمت مطمئناً له ومشفقاً عليه, لكنه لم ينتبه لي إذ نسيت أنه لم يعد بإمكانه رؤيتي .ورأيت آخرين ملتفين حوله ما بين باك وحزين, بعضهم حزين, بعضهم لاحت على قلبه ملامح البساطة فكان بحق مشاركاً له آلامه وكانت كلماته تنزل كندى بارد على القلب المكلوم إذ كان الروح القدس يقودها إلى الموضع المناسب, والبعض الأخر مجاملاً أما القلب فبعيد عن المشاركة نهائياً, فكانت نفس الكلمات تعود لصاحبها بلا منفعة.

هذه أول مجموعه من الناس, أما الثاني فكان باكياً لكن نوع البكاء مختلف, وأسرع هذا إلى مخدعه وحول رأسه هاله من نور براق أدركت أنها الأستناره, وأخذ هذا يبكى ويقرع صدره ثم يسجد لله, ويظهر أن ما حدث لى كان دافعاً له ومحركاً إياه للاستعداد بالتوبة .

وثالث كان فى حالة من الابتهاج عجيبة, وهذا كان دائماً محباً لى وللأخوة رأى ببعد نظره امتياز الحياة الأبدية, فشارك السماء أفراحها ومحبوبه تمام جهاده .

رابع كان فرحاً لكن قلبه كان يكشف عن كآبه وظلمه إذ كان يظن فيَّ منافساً له على مركز, وحاسداً لى على نعمه .

الخامس والأخير كان مصاباً ببلادة الروح، فكان غير مبالٍ بما يحدث مكتفياً بهموم ومسئوليات وأطماع لا تنتهى .

إلى هنا استوقفني ملاك الموت قائلاً لى أنني أخذت ما لم يأخذه غيري, ورأيت ما فات وقته. وعلى أن أعبر الآن العبور الصعب واجتاز افظع ما يمكن لبشر اجتيازه .

وتلفت حولي فإذا بجماعة من الشياطين واقفة شاخصة نحوى ومنظرها قبيح جداً, وعلى رأسها شيطان جبار يخترق قلبه سهم, وتبدوا على لحيته آثار نتف, وهو واقف قلقاً مضطرباً ينتظر لحظة العبور ونتيجتها .ورأيت مقابلهم جماعه أخرى منيرة من الملائكة, وهى كائنات بسيطة للغاية ولكنها ناريه لا تتكلم سوى بالأناشيد والتسابيح, وأصواتها رقيقه عذبه تلقى فى القلوب سلاماً, ويرأسها أيضاً ملاك أحسست بشده أنه تربطني به صله ليست بحديثه, وكانت هذه الجماعة من الملائكة أكبر عدداً من جماعة الشياطين وأكثر التصاقاً بى وتبدو عليهم علامات الترقب الهادئ المطمئن. أما جماعة الشياطين، فكانت تتهامس مشيره إلى الثوب الذى ألبسه, فتفرَّست فيهم وفيما يحملونه فوجدتها شراكاً وفخاخاً كثيرة مختلفة, أما وجوههم فكان بعضها مألوفاً لدى, وبعضها كان رفيقاً لى فى الطريق فترة طالت أم قصرت, وللأسف كان لبعضها داله علىَّ وعرفتهم دون مرشد, فهذا كبرياء, وهذا كذب, وهذا سرقة, وذاك زنى, وتلك نميمة, وهذا شيطان الإدانة, وهكذا تعرفت على مُعظمهم, ونظرت إلى ما يشيرون إليه, فوجدت أن البقع التى أتسخ بها ثوبي تحمل كل منها صورة أحدهم وأنا لا أدرى فأُسقطَ فى يديَّ وانتابني خوف. فاقتربت من رئيس الملائكة وسألته عن قائد الشياطين، فأفهمني أنه الموكل بإسقاطي, مستعيناً بهؤلاء وفخاخهم, وأحسست من ناحيته بكراهيه شديدة لكن شعوري هذا لم يكن وليد الساعة ولكن في الحال أدركت أنه منذ يوم ولادتي الثانية. ثم سألت رئيس الملائكة ما عسى أن يكون السهم المخترق قلب الشيطان وسبب نتف لحيته, فأراني سهماً مثله فعرفت فيه إسكيم الرهبنة، وعدت سنوات للخلف فرأيته يوم لبسي الإسكيم واقفاً يصر بأسنانه وينتف لحيته ويتحسر على ما خسره ويتهدد ويتوعد. والحق إنني أشفقت عليه وتمنيت لو كانت له توبة والتمست له العذر في شدة غيظه بحسب رؤيته الشريرة.

ثم عدت ثانية إلى الموقف المهيب، وسألت مرة أخرى ملاكي الحارس عن هؤلاء الشياطين الذين لم أستطع التعرف عليهم، فأفهمني الملاك صديقي إنني لم أستمع إلى أصواتهم من قبل، فسددت إذني بناءً على مشورة روح الله القدوس وملائكته, أو أننى استمعت لهم ثم قدمت توبة صادقه فمحيت صورتهم وذكرهم من ثوبي ومن ذاكرتي بنعمة ربنا.

ونظرت إلى الملائكة التمس سلاماً فى هذا الموقف الحرج, فعرفت فيهم المحبة والوداعة والبساطة والسلام والأتضاع, وكل منهم يحمل باقة من مختلف الأعمال الصالحة والفضائل كان الروح القدس يحاول إغرائي على اقتنائها، وفي اليد الأخرى سيفاً ماضياً له سلطان على إبادة جيوش من الشياطين وملائكة الظلمة والشر, أما هذا السيف فكان كل كلمه تخرج من فم الله.

وإذا بملاك الموت يتقدم ويبوق, فرأيت أمامي من ناحية المشرق باباً يؤدى إلى منطقه منيرة جداً لم أستطع بعد أن أتبينها لكنني أحسست بلهفه شديدة على دخولها, وناحية المغرب منطقه أخرى سحيقة لا يظهر لها قرار ومظلمة جداً أوقعت الرعب فى قلبي, فأسرعت إلى باب المشرق مريداً الدخول والنجاة, لكن ما أن اقتربت منه حتى ظهر ملاكان فى لباس الجنود منعاني من الدخول, وأشارا إلى تلك البقع التى تلطخ ثيابي قائلين : " الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله "، وأن عليَّ ديناً لم أوفه وأن لجماعة الشر حقاً لديَّ لابد أن أذهب بمقتضاه إلى باب المغرب، وفعلاً بدأت أشعر بمجال شديد يجذبني ناحية المغرب, فصرخت هلعاً وسألت رئيس الملائكة معونة، فأفهمني أن تلك البقع تنجذب بطبيعتها نحو الهاوية, وأنه لا سبيل إلى محوها إذ قد مضى زمان التوبة، ووجدت لدهشتي أن رفيقي الذى أتاه ملاك الموت يمر بنفس الضيقة وأن ثوبه مع قلة ما به من بقع بالنسبة لثوبي لكنه ينجذب أيضاً إلى الهاوية, فصرخت فى اللحظات الأخيرة قبل سقوطي فى هوة الظلام السحيق : أين مسيح الخلاص ؟!

وندمت أشد الندم على ما اقترفته، وعلى تلويثي لثوبي وما جرَّه عليَّ من أهوال، ولم يكن هناك من يجرؤ حتى من الملائكة على نجدتي . ولاحت علامات الانتصار على وجوه جماعة الشياطين, أما أنا ورفيقي فقد أخذنا فى البكاء والعويل وفجأة ونحن قاب قوسين أو أدنى من الهاوية, لاح لنا نور عظيم وبريق لامع وشخص فى لهيب نار, بهي الطلعة, جميل المنظر, رائع الوصف, لا أستطيع أن أعبر عن شدة حلاوته، ومحاطا بربوات من الملائكة ذات الطبيعة النارية والقديسين.

وعرفته فى الحال دون مُعرَّف, فسجدت له خارَّاً على وجهي, ثم رفعت عيني نحوه طالباً معونة لكن دون أن أنبث ببنت شفه, فقد عرفته وعرفت محبته دون أن أراه, وذقته كثيراً واختبرت معونته ويده الرحيمة، كانت صورته فى قلبى, بل للعجب وجدت أننى أشبهه, ولي سمته, وتنطبق صورته عليَّ, ما عدا ثوبي المتَّسخ, أما الصورة فقد أخذتها يوم أن ولدت منه وأما وسخ الثوب فعلى مدى عمرى يوم أخطأت وبغلاظة قلبى.

آه هذا هو الأبرع جمالاً من بنى البشر!

نعم هذا هو مشتهى قلبى وكل رجائي، هذه هى اللحظة التى عشت حياتي أنتظرها, بل أنظرها بعين الرجاء، هذا من آمنت به ووثقت فيه، هذا الذى لم يتركني لحظه فأسلمت له حياتي .هذا هو محبوبى الذى طالما ناديته ورنَّمت له، هذا هو رجاء الأمم وخلاص الشعوب. كنت واثقاً فيه وفى حضوره وفى إنقاذه إياي لأن كل من يؤمن به لا يخزى.

وما أن مد يده لتلتف حولي حتى رأيت فى كفه آثار جرح غائر, هذا ينبوع الخلاص، ولشدة عجبي كان الجرح لا يزال ينزف!

وسقطت نقطه من هذا الجرح, نعم نقطه دم إلهي، ونقطة واحده لكنها كانت كافيه لتمحو كل وساخة الخطية وصورة الإثم عن ثوبي, وفى الحال كفت الهاوية عن جذبي ناحية الهلاك المحقق, شكراً لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح.

وفجأة دوَّت صرخة هائلة، وإذ برئيس جماعة الشياطين يسقط فى الهوة السحيقة وجماعته فى سلاسل الظلام طرحهم في جهنم، إذ هو ظلام ولا ينجذب إلا نحو الظلام, ولا يستطيع أن يبقى مادام نور.

ثم تلفتُّ حولي فوجدت رفيق الموت ما زال ثوبه متسخاً, وما زال يُسرع نحو الهاوية, فأشفقت عليه وصرخت إليه : " هذا يسوع " لكنه لم يفهم ما أقصد فتعجبت، إذ لم يستطع أن يدرك مصدر الخلاص ولم يؤمن به، لأنه لم تكن فيه صورة الفادى, ولم يسعفه الوقت ليؤمن ولا ليتعرف عليه. ورنَّ صوته حزيناً وهو يهوى فحزنت وتمنيت له لو عرف ما عرفت وآمن بمن آمنت فنال ما نلت.

ونظرت فإذا الرداء الذى عليَّ لا يليق إطلاقاً بحضرة الرب فخجلت، لكن الرب يسوع ألهى وحبيبي وهو عالم بما يجول فى خاطري أسرع وألبسني ثوبه الناصع البياض, وإذا ببعض خيوطه القليلة قد لمعت ما أن ارتديته .

ولم أكد ارتدى ثوب بره وقداسة حقه وأنا لم أزل فى حضنه، حتى رأيت ما قيل عنه ما لم تراه عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر، إذ أنفتح باب المشرق فإذا بأصوات ترانيم الغلبة والخلاص وتسبحه الملائكة وأصوات القديسين وروائح الصلوات النقية. وأردت أن أكتب ما أراه لكن وجدت أن لغة البشر عاجزة عن البلوغ الى وصف هذا والكلمات قاصرة عن التعبير عنه.

وتطلعت إلى جنب الحبيب فإذا بأثر الطعنه نافذة فيه, وما أن نظرت إليه حتى سرت فىَّ حياه جديدة، وتغيرت كل حواسي وعقلي ومداركي, وتكشَّفت أمامي أسرار مُخفاة عن كل البشر وأمجاد لا توصف.

وعلمتُ ضمن ما علمت فى الحال سر لمعان بعض خيوط الثوب الذى أعطانيه الرب، إذ انطبعت بعض الأعمال التى عملتها منقاداً بالنعمة رغم قلتها على تلك الطبيعة الإلهية التى لبستها بثوب بر المسيح فانعكس بريق ولمعان المسيح عليها.

ثم رأيت حولي جموع القديسين وعرفتهم فى الحال واحداً واحداً رغم أن لهم صوره واحدة وشكلاً واحداً، ووجدت أيضاً أن صورتي هي تلك الصورة عينها وهذا الشكل عينه، وكان كل منهم يلبس أيضاً ثوباً لامعاً لكنه يختلف فى شدة اللمعان الواحد عن الأخر.

ورأيت عن يمين السيد المسيح أمرآه جميله رقيقه ثوبها كله يلمع جداً كأنه موشى بالذهب لشدة تطابق وانسجام حياتها مع طبيعة الرب, حتى ارتاحت هذه الأخيرة على السكنى فيها فصيرتها أكثر لمعاناً من كل ما عداها من البشر, بل من الملائكة, ورأيتها فى حنان الأمومة تخلع ثوبها دون أن يفارقها فتلبسه لكل من يسألها معونة ممن لم يكملوا جهادهم بعد, فتظهر صورتهم أمام الرب كتلك الصورة المحبوبة لديه صورة ثوب بر المسيح الفائق الخاص بأم ابن الله.

وهكذا كل القديسين والذين أكملوا جهادهم فى تسبيحاتهم التى لا تنتهى يخلعون ثيابهم ليلبسوها لكل بشر يطلبها في شركة محبة عجيبة. أما من يلبس أحد هذه الثياب، فلا يقوى عليه أي فخ أو شرك من فخاخ الشرير, لكن دون أن يحول ذلك محاولات الشيطان الحاسدة المتكررة.

ورأيت فئة من المكمَّلين تتميز بتاج لامع على رؤوسهم, عرفت فيهم البطل مار جرجس والقديسة دميانة وكثيرين ممن لم أسمع سيرتهم على الأرض, لكن كانت هذه مكتوبة فى السماوات, وعرفتهم بمجرد رؤيتي لهم وكأني كنت أحيا معهم .ومنهم تفوح رائحة ذكيه للغلاية وفائقة الوصف هي رائحة دمائهم التى سفكوها على أسم المسيح فنالوا إكليل الشهادة .

وجماعه أخرى يحلو لى أن أسميهم جماعة المحبين, وكل منهم يمسك قيثارة يسبح بها ويتهلل بوجوده على الدوام مع محبوبة جالساً فى حضرته, بل فيه.

وجماعه أخرى كانت تتميز بأعضاء منيرة جداً فى أجسادهم النورانية, فمنهم من أضاءت بطونهم نسكاً, ومنهم من لمعت رؤوسهم إذ لم يكن لهم أين يسندونها, ومنهم من أضاءت أرجلهم إذ جالوا فى أرجاء العالم مُعتازين مكروبين ينادون ببشارة الملكوت, وآخرين عُذبوا ولم يقبلوا النجاة فنالوا عوض عذاباتهم مجداً وإشراقاً فائقاً, إذ أضاءت أعضائهم المقطوعة أو المعذبة.

أما أنا فقد جاءني أحد الملائكة المخصصين لخدمة العتيدين أن يرثوا الخلاص وأجلسني فى نهاية الصفوف كلها, إذ كان ثوبي أقلهم لمعاناً, ولكن الحق أننى كنت شديد الفرح والقناعة إذ لم أكن أحسب نفسى أهلاً أن أكون فى هذا الموضع, ولا أن أشترك فى هذا الخورس السمائى في هذه التسبحة المتوافقة المنسجمة بما يفوق الوصف, ولا أن أرى ما أراه, ولا أن أحيا ما أحياه .

وانتبهت وتلفت حولي فإذا بى لم أكمل جهادي بعد, وإذ بى ما زلت فى الجسد, أما اشتياقي وحنيني إلى السماء فقد التهب وتوهج على الرجاء, فصمَّمت على أن أبدأ فى غسل ثوبي فى دم الخروف استعدادا ليوم اللقاء, وخوفاً من العبور المرهوب.

المرجع: "سيرة حب، الراهب المتنيح بطرس المقاري"، الناشر بيت مدارس الأحد

 
How often do you confess?!